نصائح ذهبية من فضيلة الشيخ العلامة محمد عوامة إلى طلبة العلم في بلاد الغرب

نصائح ذهبية من فضيلة الشيخ العلامة محمد عوامة إلى طلبة العلم في بلاد الغرب

جمع وترتيب: عبد الله فهيم السلهتي

عضو هيئة التدريس بمعهد الصفة، برمنجهام، بريطانيا

(لتحميل الملف بصيغة pdf اضغط هنا)

في هذه السنة التحقت بدورة في علم مصطلح الحديث، نظّمها أحد العلماء الفضلاء من بريطانيا، وهو الشيخ المفتي معاذ جاتي من مدينة بَلاكْبَرْن (مدير موقع: www.islamicknowledge.co.uk)، دَرَسْنا خلالها كتاب «شرح المنظومة البيقونية» للعلامة عبد الله سراج الدين الحسيني رحمه الله، مع ترتيبه الجديد وتعليقاته الحافلة المسمّاة بـ«الحواشي المدنية» لفضيلة شيخنا الدكتور محيي الدين عوامة بن شيخنا العلامة محمد عوامة – حفظهما الله تعالى ورعاهما-.

والذي كان يدرِّسنا في الدورة هو فضيلة شيخنا الدكتور أحمد سعد الدين بن الشيخ محمد عوامة – حفظه الله تعالى ورعاه.

استمرّت الدورة عبر تطبيق زووم (Zoom) لمدة تجاوزت خمسة أشهر، لساعتين كلَّ أسبوع إلا أيام الإجازات. فتعلّمنا الكثيرَ الكثيرَ، وتمتّعنا بصحبة الشيخ أحمد العطِرة، وإن كانت هذه الصحبة عن بعد فقط؛ لأن الشيخ تكفّل بأن تكون الدروس تفاعليّة حتى يتمكن الطلبة من طرح أيّ سؤال يتعلق بعلم المصطلح، وكان الشيخ يجيب عن كل سؤال بكل تفصيل وبيان مع التأني والطمأنينة إجابة تشفي العليل وتروي الغليل، فجزاه الله خيرا على ما أفاد وأجاد.

ولمّا حان أوان اختتام الدورة عرَضَ الشيخ أحمد على فضيلة والده العلامة محمد عوامة أن يلقي الدرس الأخير عبر تطبيق زووم (Zoom)، فقبِله الشيخ وتقرّر أن يكون ذلك في الساعة الحادية عشر صباحاً، يومَ الأربعاء، 1 أكتوبر 2025 م / 9 ربيع الآخر 1447 هج، وكان الدرس مفتوحا للجميع وشارك فيه أكثر من مائة وأربعين طالبا وعالما.

كلمة الشيخ العلامة محمد عوامة

فابتدأ الشيخ كلمته بعد البسملة والحمدلة وقال:

«يا أيها السادة، أسأل الله عز وجل أن يديم علينا هذا الفضل وهذه النعمة التي أنعم الله بها علينا، أن وجّهنا إلى طلب العلم الشريف، وشرّفنا بخدمه دينه وشريعته. نسأل الله تعالى أن يزيدنا من فضله وجوده، وإحسانه وتوفيقه، علمًا وعملًا، إن شاء الله تعالى.

الشباب المسلم رجال المستقبل:

يا شباب، أنتم رجال المستقبَل، ورجال الدعوة إلى الله، والرجالُ الذين يدعون إلى الله تعالى بحالهم قبل مقالهم، وذلك لأهمية موقعكم في بلادكم.

وكل واحد منكم في بلده في تلك الديار إنّما هو لسان حال الإسلام، فانتبهوا إلى شرف موقعكم، واحرصوا على أدائه حق الأداء؛ لتكونوا وجوهًا صالحة في الدعوة إلى الإسلام. وأرجو أن تكرِّروا هذه الملاحظة على أنفسكم، في مُخيِّلاتكم، في خواطركم، في مجالسكم، أن تراقبوا موقعكم في تلك الديار وأنتم لسان حال الإسلام.

فكونوا دعاة إليه، ولا تكونوا حِجابًا بين أولئك الناس – غير المسلمين – وبين الإسلام أن يدخلوه بغير سلوك حسن. ثم أنتم دعاة إلى الله تعالى للمسلمين في دياركم.

أيضا، أرجو أن تلاحظوا هذا المعنى في نفوسكم تمامَ الملاحظة.

أنتم – يا شباب – رجال الأمة.

الأمة من ورائكم تنتظركم أن ترجعوا إليها علماء عاملين، دُعاة إلى الإسلام بحالكم ومقالكم.

الشباب المسلم رجال الغد المأمول:

وليس من عادتي في كل مناسبة – كهذه المناسبة أو غيرها – أن أُكثِر من الشعر العربي في ذلك، لكن استحسنت – ولأول مرة – أن أقرأ عليكم هذه الأبيات من شعر الشاعر المصري المشهور حافظ إبراهيم.

فاستمعوا، يا شباب. يقول:

رِجالَ الغَدِ المَأمولِ إِنّا بِحاجَةٍإِلى قادَةٍ تَبني وَشَعبٍ يُعَمِّرُ
رِجالَ الغَدِ المَأمولِ إِنّا بِحاجَةٍإِلى عالِمٍ يَدعو وَداعٍ يُذَكِّرُ
رِجالَ الغَدِ المَأمولِ إِنّا بِحاجَةٍإِلى عالِمٍ يَدري وَعِلمٍ يُقَرَّرُ
رِجالَ الغَدِ المَأمولِ إِنّا بِحاجَةٍإِلى حِكمَةٍ تُملى وَكَفٍّ تُحَرِّرُ
رِجالَ الغَدِ المَأمولِ إِنّا بِحاجَةٍإِلَيكُم فَسُدّوا النَقصَ فينا وَشَمِّروا
رِجالَ الغَدِ المَأمولِ لا تَترُكواغَداً يَمُرُّ مُرورَ الأَمسِ وَالعَيشُ أَغبَرُ
رِجالَ الغَدِ المَأمولِ إِنَّ بِلادَكُمتُناشِدُكُم بِاللَهِ أَن تَتَذَكَّروا

أنتم، يا شباب! أنتم رجال هذا الغد المأمول للإسلام والمسلمين في بلادكم!

فكونوا بحق وصدق رجالًا، مأمولٌ خيرُكم وبرُّكم وإحسانكم إلى دينكم وإلى أمتكم، فارجعوا إليهم علماء، عاملين، محقِّقين، مذكِّرين، دعاةً إلى الله بلسان حالكم ومقالكم.

ولسانُ الحال أقوى في التعبير والفائدة عن لسان المقال.

وأكرِّر ما قلته عليكم قبل قليل: «أنتم دعاة إلى الله وأنتم وجه الإسلام في تلك الديار، فكونوا وجوهًا حسنة، مُنوَّرة ومُنوِّرة، للإسلام ولغير المسلمين».

هذا شيء يخصّ موقعكم.

التخرج بداية طريق طلب العلم:

أما من الناحية العلمية – يا شباب – فكان مشايخنا رحمهم الله يكررون علينا هذه الكلمة في مثل هذه المناسبة، في سنة التخرّج مثلًا، يقولون لنا:

«أنتم الآن بدأتم في طلب العلم. لا تظنوا أنكم انتهيتم، أو تخرّجتم، أو ختَمتم العلم، أو صِرتم علماء، لا… لا… أنتم الآن بدأتم في طريق طلب العلم».

وكذلك أقول لكم: استشعروا هذا المعنى في نفوسكم. أنتم الآن بدأتم في طلب العلم.

فعليكم – يا شباب – بالمزيد من الاهتمام والتحصيل، والتلقي والصحبة، والسؤال والمذاكرة، والمدارسة للعلم، بينكم وبين شيوخكم، وبينكم وبين إخوانكم وزملائكم.

حرامٌ على طالب العلم تضييع الأوقات:

وحرامٌ عليك – يا طالب العلم -! حرامٌ عليك – يا طالب العلم -! وأنت في هذه الآونة الملحّة عليك أن تؤدي حق الله عليك وأن تؤدي حق الأمة الإسلامية عليك بالاشتغال بالعلم كلَّ الاشتغال، أن تُضيِّع أوقاتك بالسهَّر والأُمسيّات مع زملائك، وبالتفكّه، وبشرب الشاي وبالجوّالات، وما إلى ذلك. حرام عليك – يا طالب العلم – أن تعمل هذا. املأ أوقاتك وساعات عمرك.

هذه الساعة الواحدة – ولا أقصد الستين دقيقة -، بل الوقت اليسير جدًّا من عمرك كالدقائق، منحك الله إياها فأعاشَك هذا العمرَ وهذه الدقائقَ، فعليك أن تملأها بواجبك عليك: هو الاشتغال بالعلم والتحصيل.

الاشتغال بفضل العلم أفضل من الاشتغال بفضل العبادة:

ولا أريد ان أهوِّن على أخي – طالب العلم – أمرَ السُّنن والنوافل، والتعبّد والتسبيح، وقراءة القرآن الكريم. لا… معاذ الله! إنما أقول له: إن كثيرًا من علمائنا قالوا:

«إن الاشتغال بفضل العلم، يعني: بالزيادة من العلم، أحبُّ إلى الله من الاشتغال بفضل العبادة».

عندك خمس ساعات: لَأن تملأها وتزيد عليها، مثلًا، نصف ساعة خيرٌ من أن يكون لك ثلاث ساعات للعبادة، وتزيد عليها نصف ساعة، تجعلها ثلاث ساعات ونصفًا. هذه النصف ساعة أن تملأها بفضل العلم خير لك من فضل العبادة. وأن تشتغل بالعلم زيادةَ نصفِ ساعةٍ خيرٌ من أن تجلس زيادةَ نصف ساعة في تلاوة القرآن الكريم والتسبيح والتهليل.

لماذا؟

لأنك أنت مرجع في العلم. الناس سيسألونك عن الحكم الفلانيّ الشرعي، وعن حكم كذا، وعن دليل كذا، وعن آية كذا، وعن حديث كذا. سيسألونك عن هذا فاستعدّ لهم بالجواب، ولا تشتغل بفضل العبادة. أنت محطّ السؤال ومرجع المسلمين في دينهم، فأن تُعِدّ نفسك وتزوِّد نفسك بهذا العلم أفضلُ لك من أن تزوِّد نفسك بالعبادة.

وعلى كل حال، أؤكد عليكم – يا شباب -:

«يحرم على طالب العلم أن يضيع أوقاته ولو قليلًا – كما قلت – بالأمسيّات والتفكّه والجوّال وما إلى ذلك والأمة تنتظره عالمًا عاملًا، داعيًا إلى الله إليهم».

الصحبة والتلقي … أمر أساسي في طلب العلم:

وأؤكد عليكم بكلمة عابرة قلتها:

«الصحبة والتلقي والمذاكرة والمدارسة – هذا أمر أساسي في طالب العلم وفي طلب العلم، لا يتم لك العلم ولا يتم لك تحصيله، تمامَ التحصيل وتمامَ الفائدة وتمامَ التحقيق، لا يتمّ لك هذا إلا بالصحبة الطويلة للعلماء، وبالمذاكرة لهم دائمًا وأبدًا، في كل ما يجِدُّ لك من سؤال وجواب وشبهة، أو رجل من العامة يسألك عن حكم شرعي، تسترشد في هذا الحكم برأي أستاذك أو أساتذتك الذين درّسوك هذه المادة. فدائمًا وأبدًا زوِّدوا أنفسكم بالصحبة والتلقي والمذاكرة… دائمًا وأبدًا…لا تنقطعوا عن هذا!»

فائدة: في صحبة الأساتذة في هذا الزمن

ولما فرغ شيخنا من إلقاء كلماته الغالية ونصائحه الذهبية فُتح لنا المجال لعرض الأسئلة عليه، فسأل أحد المشاركين بعد أن سلّم على الشيخ ونوّه بخدماته العلمية: 

«نحن في المدارس النظامية الصحبةُ لنا صعبة جدًّا، فكيف يكون طريق الصحبة مع الأساتذة؟»

فأجاب الشيخ ما ملخَّصه:

الأمر سهل، يا أخي؛ لأن هذه الوسائل الإعلامية التي جدّت على الناس من جديد، ما تركت بعدها أيّ مجال لترك الصحبة. فيمكنك السؤال والتواصل في كل وقت.

ولكن لا تُدْخِل على شيخ واحد كلَّ أسئلتك، فلْيَكُن بعض الأسئلة مع شيخ آخر. وينبغي أن تُخَفِّف عنه حتى يبقى التواصل بينكم ميسورًا.

ويجب أن نُعطي كل سؤال حقَّه، يعني: مثلًا – وعلى سبيل المثال والمبالغة في البعض -، لا نسأل سؤالًا نحويًّا لمتخصص بالفقه، ولا نسأل سؤالًا فقهيًّا لمتخصص بالنحو.

ونسأل عديدًا من أساتذة النحو، مثلًا، شيخين، ثلاثة، من الذين درّسونا النحو … نسأل هذا سؤالًا مرة.. وهذا مرة.. وهذا مرة. وكذلك العلوم الأخرى، نتنقل بين الأساتذة، ونبقى على صِلة واستفسار.

ولا أنظر إلى نفسي أنّني الآن تخرّجت ولا يَحسُن أن أرجع إلى سؤال المشايخ… لا… لا… أنت طالب علم، ولا يجوز لك أن تترك نفسك في جهل، ما دام الأمر ميسورًا لك…والمُهمّ أن وسائل التواصل ما تركت بعدها عُذرًا.

فائدة جليلة: في علم الجرح والتعديل

ولما فرغ الشيخ من الإجابة عن السؤال الأول رفعتُ يدي لأن أعرض عليه سؤالي، فلمّا أذن لي سلّمت على فضيلة شيخنا وعرّفته بنفسي، ثم سألته:

 «بأي كتاب نبدأ الرحلة في علم الجرح والتعديل؟ يعني: أيّ كتاب يكون مناسبًا للمبتدئ الذي يريد أن يسير في علم الجرح والتعديل؟»

فأجاب الشيخ بشيء من التفصيل وقال:

إذا كنت تريد الأمر للمبتدئين فالكتب المختصرة في المصطلح، مثلاً: مختصرات «مقدمة ابن الصلاح» («النوع الثالث والعشرون: مَن تُقبل روايته ومن تُرَدُّ») ألْيَق، فنقطة البداية تكون بدراسة هذا النوع في تلك الكتب المختصرة. ثم ترتقي إلى المقدمة نفسها، ثم إلى الشروح: إما «تدريب الراوي»، وإما «فتح المغيث» وإما «النكت الوفية»، وهكذا المطوَّلات.

لكنْ، إذا أردت كتابًا مختصًّا في ذلك فلا يوجد كتاب مفرد في هذا إلا كتاب «الرفع والتكميل» للشيخ عبد الحي اللكنوي رحمه الله. ثم بعد ذلك كتاب «قواعد في علوم الحديث»، الذي هو مقدمة لكتاب «إعلاء السنن» للشيخ ظفر أحمد رحمه الله، تضمن كتابَ «الرفع والتكميل» وزيادة. ثم بعد ذلك، الممارسة… الممارسة.

علم المصطلح أعمّ وعلم الجرح والتعديل أخصّ:

لكن، لا بأس أن ألفت النظر إلى أمر مُهمّ في هذا العلم.

هذا العلم – يا شباب -، يعني: علم المصطلح، كأمر عامّ، والجرح والتعديل كأمر خاصّ. هذا العلم اسمه علم المصطلح، يعني: اصطلاحات خاصة لكل مؤلف، لكل عالِـم، لكل زمن، لكل بلد… الزمان والمكان والعالِم.

لا تستطيع أن تُلزم هذا العالم أو هذا الإمام، مثلًا: يحيى القطان، بمصطلحات شيخه شعبة بن الحجاج. لا… هو إمام وهذا إمام. فهذا له مصطلحاته الخاصة وهذا له مصطلحات خاصة … ثم تلميذه يحيى بن معين: لا تستطيع أن تلزم يحيى بن معين بمصطلحات شيخه يحيى القطان …ولا تستطيع أن تلزم يحيى بن معين بمصطلحات زميله الإمام أحمد بن حنبل. هذا إمامٌ له مصطلحاته، وهذا إمام له مصطلحاته.

إذًا، ماذا يجب عليك؟

كل إمام له مصطلحاته:

يجب عليك أن تتعرف على مصطلح كل إمام.

لا تأخذ مصطلح إمام من الأئمة وتُطبِّقَه على الآخرين. تقول: يحيى القطان إذا أطلق النكارة، يريد التفرُّدَ. ثم تأتي إلى ابن الصلاح وتقول: أطلق النكارة في موضع التفرد. هذا إجحاف في العلم…يجب أن تنظرُ إلى كل إمام ومصطلحاته.

كل زمان له مصطلحاته:

وأيضًا، كل زمان ومصطلحاته.

فمثلًا، الإمام المنذري في «الترغيب والترهيب» اصطلح على أنه إذا صدَّر حديثًا بكلمة «روي» فإنما يريد تضعيفه.

أنت تأخذ هذا المصطلح وتُطبِّقه على كل إمام فتقول: الترمذي قال في «السنن»: «روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا»، فتقول: معنى هذا: ضعيف، وهو يكون في المتفق عليه. كثيرًا ما يقول الترمذي في سننه: «روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا» وهو في المتفق عليه.

فأن تطبِّق مصطلح هذا الزمن على هذا الزمن أيضًا هذا خطأ كبير وإجحاف.

كل مكان له مصطلحاته:

وأيضًا، المكان.

أهل العراق قديمًا كان لهم مصطلح: إذا أرادوا أن يمدحوا رجلا بأنه رجل فاضل، محترم، نبيل في قومه وجماعته، يقولون: «هذا مستور». فأن تطبِّق هذا المصطلح على قول المحدثين: «المستور هو عدل ظاهرُه، غيرُ الباطن» خطأ كبير أيضًا.  

فالبلد له مصطلح، والزمن له مصطلح، وفلان له مصطلح. وهذا الآن كلُّه اسمُه مصطلح. فيجب أن ننتبه إلى هذا كلَّ الانتباه.

وأعتقد أن هذه الملاحظة إذا استحضرتموها في مستقبلكم العلمي، إن شاء الله، تنحلّ لكم أمور وأمور، وإشكالات وإشكالات، وتنتبهون إلى فوائد زلّ فيها غيرُكم كثيرًا. أكتفي بهذه الملاحظة المهمّة.

وممّا أنا أتكلم عنه أو أسمّيه في هذا العلم، أي: الجرح والتعديل، «غوائلُ الجرح والتعديل» أو «دخائل الجرح والتعديل». مفتاحُ حلِّ هذه الغوائل والدخائل هذه الملاحظةُ.

مصطلحات عديدة لبعض الأئمة:

وإذا أردتُّ أن أزيد في الأمر أقول: إن لبعض أئمتنا مصطلحات عدة في حياتهم العلميّة وفيما يكتبون. ومن هذه المصطلحات غفلَ عنها كثير من علمائنا، فوقعوا في الخطأ. وواحد منها أنبِّه إليه:

«إن الإمام البخاري – رحمه الله – من جملة مصطلحاته الدقيقة جدًّا جدًّا في صحيحه أنه: إذا ذكر حديثا في غير بابه – حديث يستفيد منه فائدتين أو ثلاثة أو أربعة -، إذا ذكر حديثا يستفاد منه الحكم، ولكن في غير بابه، فهذا يدل على أنه صحيح متنًا وسندًا، ولكنه لا يصح فقهًا والعملُ به».

والمثال يوضّح:

حديث التشهد: «التحيات لله» أين محله، يا شباب؟ محلّه كتاب الصلاة.

الإمام البخاري رضي الله عنه رواه في عدة مواضع من صحيحه، ومنها كتاب الاستئذان؛ لأن عبد الله بن مسعود روى حديث التشهد، وفيه يقول: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ووضع كفّي بين كفيه، وعلّمني التشهد…»، فلهذه المناسبة ذكره في كتاب: الاستئذان والتحية والسلام لبعض المسلم بعضًا. وفيه أن عبد الله بن مسعود يقول: كنا نقول في التحيات: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما توفي صرنا نقول: «السلام على النبي».

فاغترب بعض الناس بأن هذا الحديث رواه البخاري… وصار يشوّش على الناس ويقول: يا أيها الناس! لا تقولوا في التحية: «السلام عليك»، قولوا: «السلام على النبي» قيل: لماذا؟ ما الدليل؟ قال: هذا الحديث في البخاري.

نقول له: نعم، في البخاري! وهذا يدل على أنه صحيح سندًا، ولكنْ البخاري ما رواه في بابه المناسب له، بل رواه في مكان آخر. فهذا يدل على أنه لا يرضى هذه الجزئية منه في الفقه. وأما في الصحة فأمر آخر.

من دقائق هذا: «أنه إذا ذكَر حديثا في غير بابه الطبيعي الأصلي فمعنى ذلك أنه لا يعمل به».

وعلى كل حال، مصطلحات أئمتنا كثيرة، ولا تأتي بكلمة أو كلمتين، أو لقاء ولقاءين. لكن أكتفي بهذا التنبيه ا لمهمّ الحذِر جدًّا جدًّا، وإن شاء الله، ينشقّ لكم الطريق في المستقبل بأنفسكم، والله الموفق.

Scroll to Top